الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

313

مناهل العرفان في علوم القرآن

ولقد تآمروا على الرسول أن يثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه ، لولا أن حفظه اللّه وحماه من مكرهم وأمره بالهجرة من بينهم . ولقد أرسلوا إليه الأذى بعد ذلك في مهاجره ، فشبت الحرب بينه وبينهم في خمس وسبعين موقعة ، منها سبع وعشرون غزوة وثمان وأربعون سرية . فهل يرضى عاقل لنفسه أن يقول بعد ذلك كله : إن العرب كانوا مصروفين عن معارضة القرآن ونبي القرآن ، وإنهم كانوا مخلدين إلى العجز والكسل زاهدين في النزول إلى هذا الميدان ؟ . وهل يصح مع هذا كله أن يقال : إنهم كانوا في تشاغل عن القرآن غير معنيين به ولا آبهين له ؟ . وإذا كان أمر القرآن لم يحركهم ولم يسترع انتباههم ، فلما ذا كانت جميع هذه المهاترات والمصاولات ؟ مع أن خصمهم الذي يزعمون خصومته قد قصر لهم المسافة ، ودلهم على أن سبيلهم إلى إسكاته هو أن يأتوا بمثل أقصر سورة مما جاءهم به ! أليس ذلك دليلا ماديا على أن قعودهم عن معارضة القرآن ، ليست إلا بسبب شعورهم بعجزهم عن هذه المعارضة واقتناعهم بإعجاز القرآن ؟ وإلا فلما ذا آثروا الملاكمة على المكالمة ، والمقارعة بالسيوف على المعارضة بالحروف ؟ ! . وقد يظن جاهل أن حماستهم في خصومتهم هذه ، ليس مبعثها شعورهم بقوة القرآن وإعجازه ، وإنما مبعثها بغضهم لمحمد وأصحابه . ولكن هذا الظن يكذبه ما هو مقرر تاريخيا ، وثابت ثبوتا قطعيا ، من أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه لم تكن بينهم وبين هؤلاء عداوة قبل نزول القرآن ، بل كانوا أمة واحدة وقبيلة واحدة ، وكان الرسول وأصحابه من أحب الناس إليهم لدماثة أخلاقهم . وللرحم الماسة التي بينهم . وقد يظن آخر أن حماسة قريش في خصومتهم للنبي وأتباعه ، إنما كان مبعثها مجرد المخالفة في الدين ، بقطع النظر عن إعجاز هذا القرآن الكريم . وهذا ظن خاطئ أيضا